شنبه الأشيب المائل - كما بدا لي- للزرقة أكثر من البياض، ومثلث أصفر فوق شفتيه من أثر التدخين، وهندامه الكحلي المقلم، ونبرة صوته الخشبية، وعيناه الحادتان، وجديته المفرطة، كل هذه الأشياء ضايقتني، وكدت أنسحب من الدور، فكرت بافتعال أي عذر لأنجو من الجلوس أمامه، غير أن الانسحاب لم يكن سهلا، سيجعل بعض الأفراد الواقفين على البوابة، وهم مستمرون في متابعة المقابلات بشغف قصصي - سيجعلهم - يظنون بي الظنون، وأحدث لنفسي قصة يكون أثرها النفسي أشدّ علي من أثر المقابلة.
ركّز نظراته، كأنه يغرس منجلا في وجهي، وكنت أتخيل وقعها على وجهي من قبل، قال :
- ما اسمك ؟
- محمود .
أدركت أنني بحاجة لدفقة من اللعاب يحتاجها لساني لألفظ الأحرف بشيء من اللزوجة.
- وشو بتشتغل يا أخ محمود ؟
نظرته استعلائية ومزاجية مربكة، كأنها تتوقع أن أقول له :زبال.
- معلم .
- وأين تعمل ؟
- في جامعة كذا .
- إذن مش معلم عادي، وهزّ رأسه مهمهما كأنه اكتشف شيئا مهما.
الأمر الذي جعلني أشعر أنني كذبت عليه، وأن مسعاي في أن أتواضع قصر عن الوصول إليه، جللني خجل أجبرني على أن أحدق في الأرض، فوجدت أن قطعة الرخام التي وقع نظري عليها قد أريق فوقها سائل لونه بني خمنت أنه شاي، والرسمة التي تشكلت بالصدفة تشبه شيئا فاضحا وعاريا يرقص.
- شو جايبك هون ؟
- عندكم امرأة اسمها ابتسام، من جيراننا،قلت أحاول أن أتكفلها، أو حتى أضع لها شوية مصروف.
- وشو اللي عرفك فيها، هذي عالم واقعة.
- من جيراني، ومطلع على ملابسات ظروفها.
- يا أخ مطلع ماعندنا حدا بيحط مصاريف إلا أقاربها من الدرجة الأولى والثانية.
تمنيت لو أعرف تفاصيل هذه التقسيمات، من هم الأقارب من الدرجة الثالثة أو الخامسة مثلا؟
أدركت أن مشروع الكفالة تضاءل للأبد.
- لكن ممكن تعطي النقود لأحد أقاربها، وعندما يزورها يودعها لها.
يتكلم بكامل منطقيته، ويصنع لي حلولا رائعة، فهمت ذلك من وجهه الذكي وهو يحاول الابتسام، ممثلا دور إنسان ودود.
- شكرا لك.
- لم يرد، وعاد إلى وجهه الوقار الإسمنتي قائلا : اللي بعده ..
ثم سمعت صوته من خلفي يردد :قال جارتنا .. قال .
خرجت بتؤدة، حتى وقع قدمي لم يكن مسموعا، أريد أن أطوي هذه الصفحة الصغيرة ولا أتذكرها، على جانبي البوابة الرئيسة لمحت حوضين للورد متشابهين كأنهما توأم، تتدلى منهما كثير من الخضرة.
**
(بدنا انطلع المستورة لأولادها، السجن للحرمة عيب وشق جيب، وهي ما غلطت في حدا غيري، غلطت علي، وأنا مسامحها يا عمي، ستة شهور صار لها في الجويدة وأنا بركض وراها، البرد والله قتلها،أولادي، أولادي وين أروح فيهم، مرتي وغلطت، وضربتني، وأنا مسامحها .)
يفصل بيننا لترا عرق البستان، أحدهما شارف على الانتهاء .
- يا زلمة شو اللي حصل، فهمني ؟
يطرق على لتر العرق يتفحصه، يحتضنه كطفل ويقبله في رأسه، يصب كأسين، أنا عارف كسرتك مع الليمون، يبتسم .لك وحشة، وعرض أمي ما غبت عن بالي.
- أنا من شهرين ما بدري عن أي شيء امبارح الفجر جيت، فهمني ؟
- ابتسام ثالث يوم العيد، بعد أنت ما روحت، بيجوز لسا ما وصلت بيتك، أنا كنت في حالي ولبالي، متسطح على التخت اللي برا، وباشرب في لتر العرق اللي أنت






















