Yahoo!

أرحب بكم في مدونتي ..

 

محمود العزامي

إبتسام .. قصة قصيرة ..

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 4 نيسان 2012 الساعة: 15:46 م

 

شنبه الأشيب المائل - كما بدا لي- للزرقة أكثر من البياض، ومثلث أصفر فوق شفتيه من أثر التدخين، وهندامه الكحلي المقلم، ونبرة صوته الخشبية، وعيناه الحادتان، وجديته المفرطة، كل هذه الأشياء ضايقتني، وكدت أنسحب من الدور، فكرت بافتعال أي عذر لأنجو من الجلوس أمامه، غير أن الانسحاب لم يكن سهلا، سيجعل بعض الأفراد الواقفين على البوابة، وهم مستمرون في متابعة المقابلات بشغف قصصي - سيجعلهم - يظنون بي الظنون، وأحدث لنفسي قصة يكون أثرها النفسي أشدّ علي من أثر المقابلة.
ركّز نظراته، كأنه يغرس منجلا في وجهي، وكنت أتخيل وقعها على وجهي من قبل، قال :
-
ما اسمك ؟
-
محمود .
أدركت أنني بحاجة لدفقة من اللعاب يحتاجها لساني لألفظ الأحرف بشيء من اللزوجة.
-
وشو بتشتغل يا أخ محمود ؟
نظرته استعلائية ومزاجية مربكة، كأنها تتوقع أن أقول له :زبال.
-
معلم .
-
وأين تعمل ؟
-
في جامعة كذا .
-
إذن مش معلم عادي، وهزّ رأسه مهمهما كأنه اكتشف شيئا مهما.
الأمر الذي جعلني أشعر أنني كذبت عليه، وأن مسعاي في أن أتواضع قصر عن الوصول إليه، جللني خجل أجبرني على أن أحدق في الأرض، فوجدت أن قطعة الرخام التي وقع نظري عليها قد أريق فوقها سائل لونه بني خمنت أنه شاي، والرسمة التي تشكلت بالصدفة تشبه شيئا فاضحا وعاريا يرقص.
-
شو جايبك هون ؟
-
عندكم امرأة اسمها ابتسام، من جيراننا،قلت أحاول أن أتكفلها، أو حتى أضع لها شوية مصروف.
-
وشو اللي عرفك فيها، هذي عالم واقعة.
-
من جيراني، ومطلع على ملابسات ظروفها.
-
يا أخ مطلع ماعندنا حدا بيحط مصاريف إلا أقاربها من الدرجة الأولى والثانية.
تمنيت لو أعرف تفاصيل هذه التقسيمات، من هم الأقارب من الدرجة الثالثة أو الخامسة مثلا؟
أدركت أن مشروع الكفالة تضاءل للأبد.
-
لكن ممكن تعطي النقود لأحد أقاربها، وعندما يزورها يودعها لها.
يتكلم بكامل منطقيته، ويصنع لي حلولا رائعة، فهمت ذلك من وجهه الذكي وهو يحاول الابتسام، ممثلا دور إنسان ودود.
-
شكرا لك.
-
لم يرد، وعاد إلى وجهه الوقار الإسمنتي قائلا : اللي بعده ..
ثم سمعت صوته من خلفي يردد :قال جارتنا .. قال .
خرجت بتؤدة، حتى وقع قدمي لم يكن مسموعا، أريد أن أطوي هذه الصفحة الصغيرة ولا أتذكرها، على جانبي البوابة الرئيسة لمحت حوضين للورد متشابهين كأنهما توأم، تتدلى منهما كثير من الخضرة.

**

(بدنا انطلع المستورة لأولادها، السجن للحرمة عيب وشق جيب، وهي ما غلطت في حدا غيري، غلطت علي، وأنا مسامحها يا عمي، ستة شهور صار لها في الجويدة وأنا بركض وراها، البرد والله قتلها،أولادي، أولادي وين أروح فيهم، مرتي وغلطت، وضربتني، وأنا مسامحها .)
يفصل بيننا لترا عرق البستان، أحدهما شارف على الانتهاء .
-
يا زلمة شو اللي حصل، فهمني ؟
يطرق على لتر العرق يتفحصه، يحتضنه كطفل ويقبله في رأسه، يصب كأسين، أنا عارف كسرتك مع الليمون، يبتسم .لك وحشة، وعرض أمي ما غبت عن بالي.
-
أنا من شهرين ما بدري عن أي شيء امبارح الفجر جيت، فهمني ؟
-
ابتسام ثالث يوم العيد، بعد أنت ما روحت، بيجوز لسا ما وصلت بيتك، أنا كنت في حالي ولبالي، متسطح على التخت اللي برا، وباشرب في لتر العرق اللي أنت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عوض -قصة قصيرة ..

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 26 شباط 2012 الساعة: 07:00 ص

     كان البيت الذي استأجرته بيتا صغيرا مكونا من غرفتين ،إحداهما صغيرة جدا لكن الذي يخفف من ضيقه أن له حديقة خلفية ،تكون في الصيف مشرعة لنسمات الشمال القادمة من مرتفعات جرش وعجلون وإربد ،وله حوش يفتح بابه جنوبا فيقيني من البرد شتاء لأنه معاكس لحركة الهواء .
وهو من بين بيوت قليلة مازالت قائمة كآخر مخلفات بناء شركة كورية أنجزتها منتصف الستينات على هيئة منحة للفقراء من مزارعي غور الكرامة .
ولي جار اسمه عوض، أسمر بطريقة أقل قسوة ،طويل أخمن أنه في منتصف الأربعينات ،في قدمه عرجة متوسطة قال لي إن المرأة التي ساعدت أمه في الولادة هي السبب ،قامت بشد قدمه اليمنى بقسوة فانثنى العظم الطري مع يدها وكان ما كان ،غير أنه لم يكن متضائقا من هذه العرجة ،يقول إنه اعتاد عليها ،ويستطيع أداء أي عمل يوكل إليه أفضل من شخص يملك قدمين سليمتين.
علمت أنه بلا أسرة ،وأحيانا أسمع أن له أسرة لكنها بعيدة تعيش في غور الصافي ،وأنه يعمل في البلدية كزبال أحيانا ،ولا يأنف من ذلك بل لا يلتزم بمواعيد الدوام ويجري فصله ،ثم يعود ،ويفصل ،وهكذا يغير عمله كل مدّة.
لكن الذي حدث أن مالك البيت أخرج أغراض عوض البسيطة وكومها أمام باب الحوش ،وقام بتغيير قفل الباب. كل ذلك لأنه لم يدفع لمالك البيت أي مقابل منذ أن سكنه قبل سنتين.
وهو جاء عصرا ،ووجد الأغراض مكومة ،وسلّم بالأمر الواقع ،فطرق باب بيتي:
-
أهلا عوض.
-
يا هلا بك .
-
عارف ماذا فعل مالك البيت ،مدّ رأسك وشوف؟
وأنا مددت رأسي ورأيت بابور كاز حديث نوع بريموس ،وصحن غسيل حديدي ،وبطانيتين كاكيتين ،وزوجي أحذية ،ودجاجتين مربوطتين من قدميهما بخيطين مثبتتين في أذن قفة جلدية فارغة ،وملابس ملقاة كيفما اتفق.
قال لي إنه يحتاج أن يؤمن الأغراض عندي في البيت إلى أن يفرجها الله ويجد بيتا ،وقد دمعت عيناي ،وهو يقول ،وقد اضطرب صوته :
-
أنا .مش مشكلة ،أنام على القهوة أو في المزارع ،لكن الأغراض ممكن تضيع في الشارع.
ولأنني بلا أسرة ،ولدي متسع ،قلت له :
-
احضر الأغراض ،وأنت أيضا اسكن في البيت معي إلى أن تعثر على بيت.
وهو يدخل الأغراض أذكر أنه غمرني بالعبارات الشاكرة ،والأدعية التي لو تمت الاستجابة لها لكنت شيئا مهولا.
كنت أذهب للعمل في المدرسة ،وأترك عوض نائما ،في حدود العاشرة يصحو ،يصنع القهوة في مطبخ البيت الصغير ،ويدخن مع فنجان القهوة ثلاث سجائر ،ثم ينهض إلى عمله الجديد ،وهو جمع العلب الفارغة ،من بيبسي وكولا وعصائر وأسلاك نحاسية مهملة وغير ذلك.
يجمع العلب الفارغة ،ويتحدث بفرح عن عمله ،أثناء جلستنا بعد العصر يؤكد لي جدوى جمع العلب ،وأنه يحقق من عشرين إلى ثلاثين دينارا في اليوم وقد بدا أن لديه سيولة ،فهو الذي يؤمن أغراض البيت وينظف ويجلي ويطبخ أحيانا ،وأفضل ما كان يفعله هو تنظيف أرجل الدجاج وشيّها ،يحضر كمية من محلات الدواجن ،ثم ينظفها ويبهرها بطريقة شهية .وقد شجعني على أن آخذ جولة معه في جمع العلب ،اشترطت أن تكون بعيدة عن عيون طلابي في الكرامة ولم يشأ القدر أن تكتمل الجولة ،تعطلت السيارة المستأجرة التي يجمع عليها ،وقضينا يوما كاملا ونحن ندفع بها في محاولة لتشغيلها.
وكنت أجد بعض آثار نساء في غيابي ،بقايا شعر على المغسلة ،ثياب ،بعض مواد تجميل بسيطة ،عندما ألمح له كان يقول إنه يجلبهن لفرز العلب والخردة ،النحاس على جنب ،والألمنيوم على جهة ،والحديد على ناحية أخرى ويعترف ببعض الأمور ،ومن باب معزتي عنده يعرض علي بعض النماذج ،لكنها نماذج مغرقة في المحلية وكنت لا أحبذها بسبب خوفي من تسرب الأخبار عني.
ينظف البيت بشكل جميل ،أفضل ما كان يجيده أيضا هو تنظيف مصارين الذبائح ،كان يحصل عليها مجانا من الحاويات القريبة من مسلخ البلدة.
جاءني الهاتف في المدرسة:
وهو يهم في التقاط إحدى العلب،وكان في حالة إطراق تام ،جاءت سيارة مسرعة ،وأثناء استدارته بعد أن التقط العلبة ،دهسته السيارة ،أول شيء فعله بعد الحادث ،أنزل بنطاله وأخذ يتفقد أعضاء جسمه الحساسة ،ويصرخ :العدة سليمة.. العدة سليمة ،ينادي ويحلف بالله بأعلى صوته إن العدة سليمة ،لكنه عندما تلفت حوله ،ولم يجد الناس قد تجمعوا بعد ،راقت له فكرة أن يعود ويتمدد أمام السيارة المتوقفة ،وسائقها مازال خلف المقود متسمرا وخائفا ،أخذ عوض يئن ،كمن شارف على الموت.
السائق مهندس ،واستبشر بي خيرا كوني في مقام ولي الأمر لعوض ،قول له يا أخي صار له سبعة شهور حطت إيدك . ماكل شارب نايم . نجا من الحادث ،ما يحمد الله ،فكّرت في أن أذهب لعوض وأقول له ،الرجل يقول لك احمد الله.
استحيت أن أقول له إنه رجل من الصعب أن يحمد الله .
أخبره أنه نجا من حادث السير وهو مثل الحصان الآن ،ولكن طابت له القعدة على حسابي في المشفى ،أنا أدفع وهو يتبطّح على الأسرة ،بالفعل تغير عوض أثناء إقامته في المشفى ،وجهه أصبح فاتحا وعيناه أكثر صفاء ،مرة بعد أن غادرتنا الممرضة الشقراء بمريولها الأبيض ،وقد لاحظت أنه متعاون جدا مع تعليماتها ،يحرك قدميه حسب أوامرها ويبتسم ،،قال وهو ينظر من شباك نافذة غرفة المشفى ،وبيده زجاجة ماء معدنية صغيرة :الماء والخضرة والوجه الحسن ،قال لي إن المهندس الذي تسبب في دهسه لم يعد يسأل عنه ولا يدفع تأمين المشفى ،وإن الأكل في المشفى أصبح يأتيه رديئا ،كانوا في شهوره الأولى يأتون له بصحن من الأرز عليه رشة كركم ووركيّ دجاجة سمينة ،الآن اكتفوا بإحضار الأرز الأبيض فقط مع علبة لبن ،يقول :علبة لبن ثمنها عشرة قروش، وأن الممرضات أصبح كلامهن معه ناشفا ،اقتصر حديثهن إليه حول موعد تغيير الضمادة ،وأن ما يجري مؤامرة.
زارني مرتين ثم حين توهم أنني بصحة جيدة تقريبا قطع الزيارة عني ،ولا كأنه دعسني.
(العالم بطلت تخجل يا محمود)
-
يا سيدي .المهم صحتك ،الله يشفيك.
-
طيّرني عشرة أمتار في الهواء ،ويقول لك إني بخير مثل الحصان ،أي حصان هذا.
وأخبرني أنه بحاجة إلى ربعية كونياك ،قال :نريد أن نبعد النكد وكذا.
ثم قال فجأة :
ـكأنه نصحان
-
من
-
حسن
-
هو زارك .ممكن.
-
ممكن
-
ممكن؟
-
أنت ما شفته امبارح ؟
-
شفته.
-
طيب . مش نصحان؟

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نهار ثلجي ..قصة قصيرة

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 22 شباط 2012 الساعة: 07:41 ص

 

نبهته ليصحو من النوم باكرا ،بحدود الساعة الثامنة والنصف صباحا ،تغلب على نعاسه الشديد وأفاق بعد عدة محاولات منه لتجاهل نداءاتها المتكررة ذات الإيقاع الواحد:
-
محمود ؛قم
لم يقل لها إنه لم ينم إلا الساعة السادسة صباحا ،وإنه كان برفقة رواية صنع الله إبراهيم أمريكانلي .
-
قوم خلينا نشوف الثلج في عمان.
-
كيف يعني الثلج ؟
-
ثلج ،عادي ينزل من السماء.
-
معقول في ثلج؟
-
أنت بعدك مش مصدق ،ما ظل حدا في الغور غيرنا ،كل الناس راحت تشوف الثلج.
-
قام في فراشه وعلى كتفيه جزء من الغطاء ،وقال بصوت أبوي :
-
طيب.
فكّر في الروائي المؤرخ في الرواية ،يا لذاكرته النقية الخارقة ،كيف استخدم العدد الكبير من الوثائق التي ذكرها على ألسنة أبطاله، أو الهوامش أسفل الصفحات ،أستاذ تاريخ نطق باسم روائي عظيم ،جعله يقدم مجموعة كبيرة من الوثائق المهمة.
-
البنات عمرهن ماشافن الثلج ،حنين وروان وإيناس كبرن في السعودية ،والسعودية ما فيها ثلج.
-
صح السعودية ما فيها ثلج .
وكرر :
-
فعلا ما فيها ثلج .ورغب أن يقول :
والله ما فيها ثلج ،لكنه خوفا من أن تكتشف عدم جديته سكت.
أحس بشيء في داخله يقول :وأنا ما دخلي بالثلج ؟ شيء طبيعي في مثل هذا الوقت أن يهطل الثلج على المرتفعات ،حتى إن لونه أبيض ،وملمسه كملمس القطن ،من الأفضل - ربما - مشاهدته في الصور ،أو قراءته في إحدى القصص ،وليس من العدل أبدا أن نتجمد هذا اليوم في عمان من أجل أن نشوف الثلج.
البسوا أنتم ،أنا جاهز .
ذهبت قدماه الناعستان إلى غرفة الخزين المتجهه غربا في زاوية الحوش ،جلس على طوبة ،وأدار ظهره للباب ،أشعل سيجارة ،تذكر هذه الغرفة التي سبق وأن كانت فارغة أيام شبابه الأولى ،فأصبحت الآن ممتلئة ببقايا الأشياء التي لا تلزم ،وأن زوجته لا تحب أن ترمي شيئا تظن أنه سيلزم ،ما تبقى من اتساعها لم يعد أكثر من متر ،فكر :ربما العام القادم أجد نفسي ملقى خارجها ،اختصر أربع تثاؤبات في واحدة ،وخرج منه صوت يشبه عويل غير مسؤول ،دخلت عليه ،وقالت :
-
خوفتنا يا زلمة ،شومالك؟
-
لا .بس باتثاءب.
-
هو هيك الواحد بيتثاءب؟

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

النّزهة .. قصة قصيرة

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 20 شباط 2012 الساعة: 08:11 ص

 

مزرعة الحاج صلاح سنقنط كانت هنا ،أقف في منتصفها تقريبا ،في هذا المكان بالتحديد ،من اليمين يحدها الوادي القادم من محلات أبو زعتر ،يتعرج الوادي في شكل نصف دائري ،على جانبيه شجر الرغل والينبوت والعوسج والطرفاء المغروزة في الملح ،يقولون إن البحر الميت وصلت حدوده إلى هنا ،كانت النساء تغسل الملابس على شاطئه ،ويحممن الأولاد ،ويسبح الرجال لتنظيف أجسادهم بعد يوم تعب في الأرض ،لكنه انحسر بسبب التبخر وقلة مصادر التزويد المائي ،ومن الجنوب حدودها الشارع المعبد الوحيد ،شارع السلطة ،الذي يفصل بين مزرعة الحاج صلاح ومزرعة كانت لأحد أقربائه ،مسورة ومزروع معظمها بالرمان ،لكن الأخير باعها لرجل آخر لا يهتم بالأرض ،يتركها بوارا طوال العام ،ولا يقبل حتى بتأجيرها.
بركة الماء ،إسمنتها مازال قويا منذ مئة عام ،ترى أي إسمنت يستطيع أن يحفظ الماء بهذه الطريقة ،العشرق الذي كان مثل فخ تحت قدمي ،مهما حاولت أن أتماسك ولا أقع ،أشعر بقوة تحت قدمي تسحبني إلى الماء فأقع ،إسحاق الأعرج كان لا يقع ،يمشي على صابون العشرق وهو مبتسم ،نقلده ،لكننا لا ننجو ،العرائش المسورة بشجر الملوح الأخضر ،فتاة ناهدة ترتدي مدرقة مطرزة تبدو مقصوصة كي تلائم مقاسها ،وتخفي بروز صدرها ،نعجة تخور تائهة وباكية بعد أن فطموا حملها ،يلحقها رجل ينادي مبحوحا :
-
هررج ،ترررري ،انطرأ ،انطرأ .وفي يده قطعة خبز.
شجرة الجميز العظيمة على طرف مزرعة أبو ناجي ،ظلالها الواسعة تكاد تغطي قطعة الأرض الكبيرة حولها ،زحفت باتجاهها البيوت الإسمنية ،وتحت قاعها كومة من النفايات ،أولاد في حوالي العاشرة يقفون على أكوام النفايات ،يفتشون عن أشياء تباع مثل قطع الألمنيوم أو النحاس أو الحديد .
مبنى ماتور إبراهيم الشيخ أقدم طرمبة ماء في المنطقة ،حوله أشجار النخيل الضاربة في الزمن ،سأقضي هنا وقتا ،هنا في هذا المكان أتوقع أنني أحسست بالبلوغ ،ألتقي بعائشة ،فأشعر بمغناطيس يجذبني إليها ،لكن مغناطيسها كان أقوى ،نلتحم ،ولا ندري ما نفعل ،نقبل الخدود فقط ،شيء مثل أن تأكل تفاحة حمراء ،نخشى أن تترك الأسنان أثرا على خدودنا ،فنبللها بالماء والتراب.
هنا أحضروا لي مطهر الأولاد ،وهنا هربت ،ولحقني عيد ابن خالتي ،أمسكني قائلا :وين رايح ،بتحسبها لعبة ،نريد أن نطهرك.
أجلسوني على نصف برميل مغروز في الأرض ،فتحت فخذي أمام رجل أسود قيل إنه من منطقة سويمة ،شعره أبيض وناعم كالقطن ،كان ممرض متقاعد من الجيش ،ويدور على الناس في الحقول بعربة جديدة وملونة يجرها حمار أبيض ،قرأ علي كلاما أسمعه أول مرة ،بدا لي عالما ومباركا يشع نور خفي من وجهه الأسود ،وأخذ يقلب حيواني بين يديه ،ويقول مجرح جلدته وأنت تلعب به ،وبابور الكاز مشتعل إلى جواره ،وعلى رأسه مقص أصبح لونه أزرق ،،تبولت من الخوف على رأسه القطني .
عريشة أبو قبلان ،هنا سبارس الدخان الهيشي ،أبو قبلان لا يدخن الدخان الأخضر الحامي مثل أهلنا ،كان يحضر دخانا أحمر من عمان ،كان خفيفا وفيه نكهة ،رجل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الكتب ..

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 13 شباط 2012 الساعة: 08:44 ص

 

مهتم بصورة جنونية بتاريخ القضية الفلسطينية ،ومتعمق في تفاصيل احتلال فلسطين ،والاتفاقيات الدولية التي حدثت.
قال :يجوز ما تصدقني ،الموساد الإسرائيلي يراقبني ،لحقوني مرة حتى باب المخيم الكشفي ،تخيل ؟ولما أحسوا أنني كشفتهم عادوا.
ومرة ثانية لقيت جهاز مثل الراديو مدفون أمام عتبة الحوش.
ومرة رحت على الدكان ،وحسيتهم يراقبونني ،يريدون معرفة كل شيء عني ،يهمهم أن يعرفوا شو باشتري من الدكان.
-
شو اشتريت؟
-
دخان .
-
فقط ؟
-
وكبريت.
-
وبعدين؟
-
أنا كاشفهم ،معقدهم ،ما قدروا يعملوا أي شيء معي.
-
مصدقك.
-
صدق أو لا ،أنت حر.
-
أصمت.
-
أنت قلت ماذا تدرس؟
-
عربي ،تخصص أدب.
-
ما بتحس أن في الأدب ثرثرة .
-
ممكن.
-
التاريخ أمر آخر تماما.
-
نحن نترك أثرا حاسما في الحياة والأمة ،نسجل تاريخها ،ونقدم رأي ورؤية ونصيحة.
 …………….-
-
الأدباء مثل العازفين ،لاحظ مثلا الشعر لازم موسيقى وكلام فارغ. ثم قال: تعال.
وأمسك يدي ومشيت بمحاذاته حتى وصلنا إلى سيارة بيجو قديمة ومتهالكة ،أفلت يدي وانبطح تحتها وأشار علي أن أنبطح مثله ،مد إصبعه السبابة قريبا من اكزوزت السيارة وقال :فككت من هنا ثلاثة أجهزة تنصت حتى الآن ،وقال مؤشرا على سلك مقطوع :هذا مكانه هل رأيته.
الأستاذ شحادة علي شحادة ،يعمل في التربية والتعليم ،آخر حياته الوظيفية أصبح مديرا للمخيم الكشفي الدائم بمنطقة الكرامة.
منذ شهرين وحالة من الشغف تحتلني نحو ما يطلق عليه إصدارات مطبعة بولاق التي انشئت في مصر قبل مئة سنة ،وقد فتشت مرارا عن بعض هذه الإصدارات في مكتبات عمان ،معظم من قابلتهم أكدوا لي أن المشكلة تكمن في ورق مطبعة بولاق ،ورق ضعيف ورخيص لم يستطع الصمود والاستمرارية مع الزمن ،انقرضت هذه الإصدارات بسبب تلف الورق ،ونصحني محمد الخالد أحد الأصدقاء العاملين في مجال دور النشر أن أبحث عن هذه الإصدارات في البيوت ،وفي مكتبات الناس الخاصة.
ماجستير في التاريخ القديم ،وأعلم أنه مبدع كبير في مجاله ومخلص ،لحد أنه لم يستطع رعاية أسرته كما يجب ،كان يعود من العمل في التربية والتعليم ،فيجد في بيته رجالا غرباء برفقة زوجته ،يطرح عليهم السلام وينسحب إلى غرفته ،عالمه الحقيقي.
رجال شبان مفتولو الشوارب والعضلات ،ونساء يرتدين تنانير قصيرة ،ينتشرون في فسحة أمام البيت ،وموسيقى فجة (دبكات من غير مناسبات) وفي الوسط منضدة عليها زجاجات بيرة أمستل من الحجم الطويل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البحث - قصة قصيرة

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 11 شباط 2012 الساعة: 08:39 ص

 

نظرت في عينيه طويلا ،وكانت مبتسمة ،تلك الابتسامة العريضة التي استطاع أن يلمح من خلالها منطقة أقصى الحلق الحمراء ،أحسّ أنها ابتسامة منزوعة من الدلالات التي يحبها ،لاحظ أنها مثل ابتسامة امرأة صادقة لبائع خضار مسكين كي يخفض لها السعر ،أو أنها ابتسامة منزلية يتعرض لها غالبا أهل البيت المقربين من أزواج وأولاد وأم وأب.
أشعل سيجارة وأخذ ينفث دخانها ،قال وهو يبعد بصره إلى آخر منطقة في الحوش :
-
أنا أعرف أن البحث بالذات لا يكتب لشخص آخر ،الذي يكتب البحث هو صاحب البحث نفسه ،أما لو أردت رسالة مثلا ،من الممكن أكتبها لك ،بحيث أفهم منك ما تريدين إرساله وأصيغه بطريقة مرتبة .
وأكمل في سريرته :بحث يا مخروبة البيت ! ألا تستحين من هذا الطلب الذي يعبث في صميم الشرف والكرامة.
-
أنت حر .
-
يصمت.
-
لو سألني الدكتور صبحي ،هل أقول له إنك رفضت.
-
يصمت.
-
سأمشي.
-
يصمت.
-
كلها عشر صفحات ،والسلام ،لكن الحق عليّ سمعت نصيحة الدكتور.
-
يصمت.
يشعر أنها غادرت بالفعل ،وفي اللحظة نفسها يسمع صفق باب الحوش.
أطفأ باقي السيجارة ،وقام على طوله ،تمطى مع أنه لم يشعر بالحاجة للتمطي ،تأمل شجرتي الليمون في وسط الحوش ،أحسّ أنه شوه منظرهما حين قلمهما قبل يومين ،ثم تلفت حوله ،واتجه إلى زاوية الحوش حيث كومة الأغصان الذابلة التي قلمها ،نظر إلى الأعلى وجد شقة جاره أبي حسن مطفأة ،رفع أطراف قميصه الطويل ودسّها تحت إبطيه ثم ضغط عليها ،أنزل البنطال وأخرج حيوانه المجعد ليتبول ،تأمله بتؤدة جارحة أثناء انسكاب الماء ،شعر أنه عضو مسكين لا حول له ولا قوة ،في حين يترتب على مجرد وجوده الحياة بوفرتها الفاضحة ،بحمقها وطرافتها وعلمها وجهلها ،وأخذ يفكر ،أليست هذه المرأة ناتجة يوما من الأيام عن نطفة من حيوان مشابه.
رنين الهاتف ،الدكتور صبحي .
-
يا هلا دكتور صبحي.
-
بك أكثر.
-
كان مشيتها يا زلمة.
-
شو هي ؟
-
البنت.
-
آه تقصد البحث.
-
أيوة.
-
بصدق عاجز عن تنفيذ هذا العمل.
وأصاف :أي خدمة أخرى ممكن أعملها ،لكن لا أتخيل نفسي مكبا على المراجع والمصادر والنتيجة شخص ثان يكتب اسمه عليه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

زيارة مختلفة - قصة قصيرة

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 6 شباط 2012 الساعة: 08:12 ص

كنت أجلس خلف منزلي صباحا أتشمس ،أمامي فنجان قهوة ،تنعكس صورة وجهي على جدار خزان الماء الحديدي ،فأراه وجها غير حليق وبائسا نسبيا ،حيث تحاول عيناي تلافي ضوء الشمس ،فتنكمشا للداخل ،الأمر الذي يزيد من انقباض وجهي ،فأشعر أنه وجه لرجل في غاية العوز والإفلاس والألم ،وأحيانا أشعر أنه وجه رجل سجين .
كثيرا ما أتأمل صورتي على صفحة الخزان ،حتى أنني تأكدت أنني وضعته في مكان غير مناسب.
ورن التليفون:
-
يا هلا حمدالله .
-
اسمع ستتصل بك امرأة اسمها فلانه الفلاني لا أعرفها كثيرا ،من عندنا من منطقة كذا ،هي كاتبة وتريد أن تتعالج في عمان ،لو استطعت أن تسدي لها بعض العون.
عجبت من حمدالله كيف يكون صاحيا في هذا الوقت ،لا بد - والعلم عند الله - أنه واصل سهره منذ البارحة ،ثم قلت إلى نفسي :حمد الله كويس ها هو يتذكرني ويتصل من بلاد بعيدة ،ولأنني أعرف في قرارة نفسي شخصيته العبثية غير المسؤولة -أحيانا - لم آخذ أمر المكالمة على محمل الجد.
تلافيا لصورة الرجل البائس ،أعطيت خزان الماء ظهري.
ومضيت أتأمل شجرة الليمون الخضراء ،وأحاول أن أجذب نفسا من أنفي لأتشمم رائحتها ،ثمّ قمت وبدأت أطوف حولها فيما يشبه التمشي. هذه الشجرة زرعتها أيام كنت معلم في وزارة التربية ،الله كم كنت فقيرا ،أمشي حوالي ثلاث كيلو متر إلى مدرسة القرية الابتدائية ،وتستهلك قدماي حذائين شهريا ،منحني الشجرة أحد الطلاب في طريق عودتي ،وسألته من أين سرقها ،فأقسم يمينا أنه وجدها ملقاة بجانب الطريق وليست لأحد ،فحملتها إلى بيتي وزرعتها ، أتذكرها كم كانت صغيرة منتوفة الورق ،وواظبت على سقايتها حتى كبرت .
رن الهاتف .
-
أنا من طرف حمدالله.
-
أهلا وسهلا.
-
من فترة وأنا أريد التعرف بك.
أحسست أنها تكذب ،وقلت :أستغفر الله أنا أخوكم وفي خدمتكم.
-
أنا في عمان.
-
أين في عمان؟
-
العبدلي.
-
تحتاجين لخدمة؟
-
إذا سمح وقتك.
-
سأتيك الآن ،أنا في قرية تبعد عن عمان حوالي أربعين كيلو ،أحتاج لساعة وأكون عندكم.
-
هذا رقمك؟
-
هذا رقمي.
وجهها ليس قمحيا كما كنت أخمن ،أقرب للشعيري الفاتح ،ممشوقة القوام ،جسد غير متهدل ،أتوقع أنها تمارس الرياضة.
وانطلقنا ،أكدت لها أن عمان جميلة ،وشعرت أنها وافقتني الرأي على مضض ،كانت تريد مكانا للاستقرار فيه ،مدّ لها أحد الأطفال المشردين أثناء وقوفنا على الإشارة علبة العلكة لتشتري ،فنقدته بعض الأوراق النقدية دون أن تمد يدها للعلبة . رأيت الطفل ينهمك بفرح في عدها ،ثم ركض مختفيا بين السيارات.
وسكتنا.
ليتها تمنحني أي إشارة عن أوضاعها المادية ،أعرف أنها موظفة في جهة حكومية في بلادها ،لكن أعرف تلك البلاد جيدا ،ثقافة الناس القائمة على أخذ القروض المزدوجة قرض للأب وقرض للزوج والاستهلاك الفضفاض ،أريد أن أعرف بعض ظروفها المادية لأختار لها فندقا مناسبا ،وسط البلد ،سقف السيل ،تترك المدرج الروماني على شمالك وتتجه جنوبا ،فنادق كثيرة نظيفة وزهيدة ،وفيها غرف ليلتها بثلاثة دنانير.
أشعر تجاهها بمسؤولية ،حالة لا تأتي إلا نادرا ،إنها ابنتنا في كل الأحوال ضمن كار الكتابة والأدب ،وفي نفس الوقت هي إنسانة تمرّ على ما يبدو بمعضلات حياتية ،وفي الوقت ذاته رأيت أن جمالها لا يقاوم ،رائحتها اللذيذة بجواري ،شعرها أسود فاحم ،مخبأة أجزاء كثيرة منه تحت منديلها ،فكرت برغبتي في تأمله كاملا حتى آخر أطرافه ،وجهها مدور ،مائل للبياض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الطفل..

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 31 كانون الأول 2011 الساعة: 00:57 ص

يتفقده في خزنة الملابس ،ويبتسم : لدي الآن قطعتان غاليتان من جسدي: الحبل السري ،وهذا الطفل البرتقالي المجعد.
(تيسير .يلعن ديـ.. ك .تعبانة .روح نام) عندما وصل إلى فراشها وجسده يلتهب من الرغبة ،وقف بجانب سريرها ، ولم يدر كيف يستهل نداءه المحرج ،أطال الوقوف كجثة لا تتحرك .
عندما نظر إلى النافذة أخذته عنوة شجرة السرو التي جلسا في قاعها أول مرة ،وكيف بدأت الشجرة تمازحهما بإسقاط بعض الأشلاء التالفة من المسامير الناشفة، وسأل نفسه بجدية أتراها مازالت واقفة بذلك الشموخ الصبياني وتداعب عشاقا غيرنا .
كان متأكدا من كلامه ،لم يحب يوما الأشجار الشامخة الواثقة من نفسها ،لقد كانت تستفزّه بقوتها الموهومة ،ويقول لنفسه ما كان عليها أن تتشبث بالحياة إلى هذا الحد وثمة تراكتور زراعي موديل 1960 يستطيع أن يشتت شمل أجمل شجرة في العالم.
كان قلبه يتّقد بالنبض والحب حين يشاهد شجرة معقوفة الظهر ،أو مائلة على نحو مؤثر.
انتقلت نظريته الصغيرة التافهة هذه من الأشجار إلى النساء الواثقات من أنفسهن ،زميلاته في الجامعة ،نوال تمتشق ثوبا على هيئة علم فلسطين ،صحيح أن أدوات تجميلها رخيصة ولكنها فاقعة الألوان تقول لكل الطلاب تعالوا وراقبوني ،وكذلك لينا الطويلة كجمل أخرق ،لم تكتف بالطول الذي وهبها الله مجانا لها منذ ولادتها ،أصرت على ارتداء كعب عال يقول إيقاعه المنتظم: أنا هنا انظروا لي من فضلكم.
أما عيدة فكان يشعر تجاهها بمشاعر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحقول 2

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 30 كانون الأول 2011 الساعة: 01:37 ص

قبل سفر والدي إلى عمله في السعودية بثلاثة أيام ، حدث أمر مريب، كلبنا المربوط بعمود الكهرباء فجأة دار حول نفسه عدّة دورات وزمجر بأصوات مختلطة وغريبة، وعاد ثانيا وبسرعة أكبر إلى الدوران حول عمود الكهرباء، ثم وقف على قدميه الخلفيتين ،وبقي على هذه الحالة واقفا والحبل يسوّر رقبته ،لم يعد يستخدم يديه للمشي ،بل كان يتحسس صحن الماء ويرفعه إلى فمه كطفل يلامس الأشياء لأول مرة، وهذا ما كان يفعله مع صحن الطعام،كما أصبح يستخدم يديه لللتأشير على أشياء بعيدة لاوجود لها أو لم نكن نراها نحن ،وتغيرت شيئا فشيئا نبرة نباحه ،أصبح ينبح بصوت لو تم الانتباه له لكانت كلمة تشبه ماما.
ولم يكن يقلقنا أمره كثيرا ، فقد أشار والدي أن الكلاب عادة ما تمر في مرحلة الرغبة الملحة في التزاوج ، وحين يتعذر وجود كلبة، تظهر عليهم علامات وسلوكات خارجة عن المألوف، وأكد لنا أنه قرأ هذا في مجلة العربي التي تصدر في الكويت.
منظر الكلب الواقف لم يعد يثير انتباهنا ، فلا بد أنها محنة قصيرة وتنتهي.
قبل سفر والدي بيوم واحد ذهبنا جميعا إلى بيت جدي قرب البحر الميت ، ولا يذهب الانتباه إلى أنه كان بيتا حقيقيا ، كان بيتا مخاطا من أكياس الخيش ،محاطا بأشجار مغبرة وقديمة ، عريش مقام على أعمدة من شجر الطرفاء التي تنمو وتزدهر في تربة أملاح البحر.
كان جدي يُركب السياح على شاطيء البحر على حمار أبيض ، يسمونه (صليبي) وقد قيل إنه من بقايا سلالة الحمير التي تركتها الحملة الصليبية على بلاد الشام ،وهي فصيلة حمير جيدة تنجز المهات بصبر ومؤمنة بدورها في الحياة، يأخذ جدي من السياح النقود الرمزية ، التي لا تكاد تكفيه لمواصلة العيش، وشكل جدي الخارجي شجع السياح الأجانب على التعامل الودود معه، فهو قطعة عربية خالصة وتليدة ، لحية بيضاء ناصعة البياض أكثر شعيراتها نبتت في أسفل ذقنه،وحفرتتن تذكران بالجوع والأسى على طرفي وجهه ، أما صوته ، فكان خفيضا ومتأنيا وصابرا وراضيا ،تحسّ فيه موسيقى زرياب والحضارات القديمة وطعم البلح قبيل النضج . قال لي إنه إذا صادف ولم يجد السائح في جيبه نقودا مفردة كان يسامحه ، ويمضي إلى غيره :
(نحن عرب مضروبون بجزمة الكرم ، ثمّ حتى نغيّر نظرة الغرب لنا بعد أحداث أحد عشر سبتمر، ثم يضحك حتى تظهر ضروسه الناصعة البياض)
كان مستمعا جيدا للراديو ، وقد فصّل لها بيديه ثوبا جميلا من الخيش صونا لها.
قصصنا أمر الكلب على جدي ، بهدف إثارة دهشته وتسليته ، لكنه ضحك من قصتنا ، مؤكدا حدوث ذلك الأمر قبل عشرين عاما في مسكنه هذا ،وأشار بيده إلى شجرة الطرفاء العظيمة أمام العريش التي كان الكلب مربوطا بها، وقال مازحا : لعله أحد الأحفاد الطيبين.
في الليل حين يتأكد من نوم أمي داخل العريش ، كان جدي يقص علينا قصصا غريبة تحدث له مع السائحات. فقبل أربعة أيام ، ركبت إحدى السائحات الحمار ، وبدا ودودا هادئا في البداية ويسبر كعادته بتعقل ، لكنه فجأة نهق نهيقا هائجا ومدويا وغير وجهته شرقا نحو الجبال ، وركض ،وركض جدي خلفه وأظافر السائحة مغروزة بظهره خوفا من الوقوع.
كان والدي ينصت بفرح لجدي ، ويقرّب وجهه من وجهه ، كأنه يريد أن يعانقه.
أقصى أمنية لدى والدي كانت أن يشتري باص (كيا) بعد عودته من السعودية ، ويعمل عليه لنقل الركاب من سويمة إلى الشونة .
كنا نحث جدي ليكمل قصته ونعرف مصير السائحة ، لكنه توقف ، وهمس : صه ، صه ، صه . هناك صوت ، كا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحقول - قصة

كتبها د.محمود العزازمـــــــة ، في 26 كانون الأول 2011 الساعة: 06:56 ص

خمسة وثلاثون عاما وثمانية أشهر وستة أيام هي ما أنفقته من عمري إلى لحظة وفاة والدي .وقد جاءني نبأ وفاته وأنا في السجن . كل ما أعرفه عنه أنه أبي ويزرع الخضروات بالأجرة في مزارع السيد صلاح سنقنق . كان بارعا في إزالة الحصى لتهيئة التربة لزراعة الباذنجان والذرة والكوسا والخيار ، وكنت أسمعه قبل أن يغرس الشتلة يتمتم عليها بكلمات غير مفهومة ، ويغمض عينيه لبرهة ، ثم يلتفت حوله وحين يطمئن أن أحدا لا يراقبه ، يمسح عينيه بطرف ردائه و ينتقل للشتلة الأخرى.
وأذكر أن حقلنا كان مضرب مثل في الخصوبة ، كانت قامة والدي تختفي وسط أشجار الحقل، بينما كانت الحقول حولنا فقيرة متهالكة ، خضرة أوراقها باهتة ومغبرة .
ولم يكن أبي قديسا ، كان يضحك وهو يشرب الشاي أمام عريش الحقل ، ويصنع سجائر تبغها أسود ، وكنت ألهو وألعب قربه ، لباسي الرسمي آنذاك كلسون فضفاض ، ورثته بعد عمليات قص ولصق عن أبي.
كان يمسكني من حيواني الصغير ضاحكا ويقول سنزوجك ببنت جارنا صرمة ، وكنت أتخيل صرمة أمام ناظريّ وإفرازات أنفها تتدلّى على ملابسي ، أشعر بعدها بغصة تغلق حلقي ، فلا تنزاح إلا عندما أجهش في البكاء.
صرمة ، كما سمعت بعد أن استويت رجلا أن أمها أنجبتها بعد ست بنات،ونذرت لوجه الله نذرا ، لو رزقها الله مولودا ذكرا ستزور مقام شعيب ، وتتعرى أمامه مثلما خلقها الله ، وترقص ، وإن رزقها الله بنتا فستسميها صرمة ، وهي الحذوة القديمة المهملة. وبالفعل عاشت صرمة مثل حذوة قديمة ومهملة مثل شاة في آخر القطيع،علمت أنهم عرضوها على بعض الدراويش من عرب الثمانية وأربعين ، وقيل إن عين جني من اليهود أصابتها . لكن الله فتح عليها بعد وفاة والديها ، ولأنها الصغرى ، شعرت بالحرية ، وانطلقت للعمل بالدعارة في العقبة ، وقيل لي قبل عدة أشهر إنها أصبحت إحدى سيدات المجتمع هناك ، ولديها أملاك على الشارع الرئيس وعائلة مكتملة وجمعية خيرية للفتيات المعنفات ،كانت تمارس أعمال الدعارة عن هذا الطريق ،وقد كبرت قليلا بالسن ، وبدلت اسمها من صرمة إلى وردة.
صل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي