قبل سفر والدي إلى عمله في السعودية بثلاثة أيام ، حدث أمر مريب، كلبنا المربوط بعمود الكهرباء فجأة دار حول نفسه عدّة دورات وزمجر بأصوات مختلطة وغريبة، وعاد ثانيا وبسرعة أكبر إلى الدوران حول عمود الكهرباء، ثم وقف على قدميه الخلفيتين ،وبقي على هذه الحالة واقفا والحبل يسوّر رقبته ،لم يعد يستخدم يديه للمشي ،بل كان يتحسس صحن الماء ويرفعه إلى فمه كطفل يلامس الأشياء لأول مرة، وهذا ما كان يفعله مع صحن الطعام،كما أصبح يستخدم يديه لللتأشير على أشياء بعيدة لاوجود لها أو لم نكن نراها نحن ،وتغيرت شيئا فشيئا نبرة نباحه ،أصبح ينبح بصوت لو تم الانتباه له لكانت كلمة تشبه ماما.
ولم يكن يقلقنا أمره كثيرا ، فقد أشار والدي أن الكلاب عادة ما تمر في مرحلة الرغبة الملحة في التزاوج ، وحين يتعذر وجود كلبة، تظهر عليهم علامات وسلوكات خارجة عن المألوف، وأكد لنا أنه قرأ هذا في مجلة العربي التي تصدر في الكويت.
منظر الكلب الواقف لم يعد يثير انتباهنا ، فلا بد أنها محنة قصيرة وتنتهي.
قبل سفر والدي بيوم واحد ذهبنا جميعا إلى بيت جدي قرب البحر الميت ، ولا يذهب الانتباه إلى أنه كان بيتا حقيقيا ، كان بيتا مخاطا من أكياس الخيش ،محاطا بأشجار مغبرة وقديمة ، عريش مقام على أعمدة من شجر الطرفاء التي تنمو وتزدهر في تربة أملاح البحر.
كان جدي يُركب السياح على شاطيء البحر على حمار أبيض ، يسمونه (صليبي) وقد قيل إنه من بقايا سلالة الحمير التي تركتها الحملة الصليبية على بلاد الشام ،وهي فصيلة حمير جيدة تنجز المهات بصبر ومؤمنة بدورها في الحياة، يأخذ جدي من السياح النقود الرمزية ، التي لا تكاد تكفيه لمواصلة العيش، وشكل جدي الخارجي شجع السياح الأجانب على التعامل الودود معه، فهو قطعة عربية خالصة وتليدة ، لحية بيضاء ناصعة البياض أكثر شعيراتها نبتت في أسفل ذقنه،وحفرتتن تذكران بالجوع والأسى على طرفي وجهه ، أما صوته ، فكان خفيضا ومتأنيا وصابرا وراضيا ،تحسّ فيه موسيقى زرياب والحضارات القديمة وطعم البلح قبيل النضج . قال لي إنه إذا صادف ولم يجد السائح في جيبه نقودا مفردة كان يسامحه ، ويمضي إلى غيره :
(نحن عرب مضروبون بجزمة الكرم ، ثمّ حتى نغيّر نظرة الغرب لنا بعد أحداث أحد عشر سبتمر، ثم يضحك حتى تظهر ضروسه الناصعة البياض)
كان مستمعا جيدا للراديو ، وقد فصّل لها بيديه ثوبا جميلا من الخيش صونا لها.
قصصنا أمر الكلب على جدي ، بهدف إثارة دهشته وتسليته ، لكنه ضحك من قصتنا ، مؤكدا حدوث ذلك الأمر قبل عشرين عاما في مسكنه هذا ،وأشار بيده إلى شجرة الطرفاء العظيمة أمام العريش التي كان الكلب مربوطا بها، وقال مازحا : لعله أحد الأحفاد الطيبين.
في الليل حين يتأكد من نوم أمي داخل العريش ، كان جدي يقص علينا قصصا غريبة تحدث له مع السائحات. فقبل أربعة أيام ، ركبت إحدى السائحات الحمار ، وبدا ودودا هادئا في البداية ويسبر كعادته بتعقل ، لكنه فجأة نهق نهيقا هائجا ومدويا وغير وجهته شرقا نحو الجبال ، وركض ،وركض جدي خلفه وأظافر السائحة مغروزة بظهره خوفا من الوقوع.
كان والدي ينصت بفرح لجدي ، ويقرّب وجهه من وجهه ، كأنه يريد أن يعانقه.
أقصى أمنية لدى والدي كانت أن يشتري باص (كيا) بعد عودته من السعودية ، ويعمل عليه لنقل الركاب من سويمة إلى الشونة .
كنا نحث جدي ليكمل قصته ونعرف مصير السائحة ، لكنه توقف ، وهمس : صه ، صه ، صه . هناك صوت ، كا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ